الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

الصدمة الأولى



الصدمة الأولى



لطالما تخيلتُ نفسي مكان هذه المرأة التي وجدها النبي صلي الله عليه وسلم عند المقابر تبكي علي صبي لها فقال: "اتقي الله واصبري"..
فقالت: وما تبالي بمصيبتي.

فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت. فأتت بابه فلم تجد علي بابه بوابين. فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولي" [1].

تخيلت أنني مكان هذه المرأة، وساءلت نفسي: ماذا لو قيل لي مثل ما قيل لها؟ وبم كنت سأجيب؟

إن الصدق عزيز، والإنسان لا يحب أن يظهر نفسه كاذبًا أبدًا. ربما لم أكن لأبعد عما قالته كثيرًا.

إن المرء قد يقرأ الآية أو الحديث، ويستحضر معانيها، ويشعر بما ينبغي أن يفعله تجاه ما فيها من أوامر أو نواهٍ أو ندب أو نحو ذلك؛ لكنه حين يمر بالاختبار، ويتعرض للموقف العملي، قد يجد نفسه نسي أو غفل أو رجع إلى جاهليته القديمة، ويبعد عن الهدى الصحيح الذي كان يقول لنفسه عنه إنه لو تعرض لمثل هذا الموقف لاهتدى بالهدى وسار على الدرب.

وأكثر ما يتضح فيه هذا الأمر مثل هذه المواقف التي تحتاج إلى الصبر. وذلك لأن الصبر عبادة تختلف عن سائر العبادات، وأمر يختلف عن غيره من الأمور؛ فهو أثقل شيء على الإنسان حتى إن بعض الأنبياء لم يصبر على ما أمر به، فلا عجب أن يزل فيه البشر العاديون.

وهذه امرأة، والبشر ضعاف أمام المصائب، وما جبلوا على الصبر، بل كان الإنسان عجولا، والنساء أعجل وأضعف وأقرب إلى الزلل والتهاون.

وما كانت تبكى زوجًا ولا أخًا ولا أبًا، ولكن تبكى صبيًا لها، وهذا أشق شيء على المرأة؛ أن تثكل ولدها بالموت فينزع منها، وكأن قلبها وثمرة فؤادها تنزع منها، فلا عجب أن تجدها هناك عند المقابر تزوره وتبكيه وتذرف الدمع مدرارًا عليه.

والظاهر أنها كانت تبدو منها أفعال تضاد الصبر؛ لأن البكاء وحده على الميت جائز، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم.

وما يصبر على فقد الولد إلا من وفقه الله عز وجل وثبته وغرس الإيمان في قلبه، ولذلك فالله عز وجل يجزيه أفضل الجزاء؛ كما في الحديث عن الرجل الذي قبضت الملائكة روح ولده فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: قبضتم روح ولده؟ أخذتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول الله: وماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول لهم: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد..

ولذلك أيضًا أعظم الله عز وجل جزاء الصبر بما ليس لغيره من العبادات؛ فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

قال بعض أهل التفسير: يُغرف لهم غرفًا.

يعنى أن كل عمل من الأعمال قد حدد له الشرع في الغالب مقدارًا من الأجر، أما الصبر فأجره بلا حساب.

والنبي صلى الله عليه وسلم الشفيق بأمته، الرءوف الرحيم بهم، الناصح لهم، لم يترك المرأة تبكي وتفعل ما تفعل، بل نصح لها، ونهاها، ودلها علي ما فيه الخير بأن تصبر، بل وأمرها به، وفي هذا دليل على وجوب الصبر على كل مسلم، وألا يتسخط على أقدار الله عز وجل ويرد قضائه، ولو مع كرهه لهذا القضاء، فإن النبي صلي الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من سوء القضاء. فهناك قضاء مكروه وهناك قضاء محبوب. ونقول ولو مع كرهه لهذا القضاء فقد يجتمع الصبر علي المصيبة والبغض لها.

أما الرضا فهي مرتبة أعلى وهي مستحبة، وقد بكى النبي صلي الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وقال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. فدل هذا الحديث على أن هذا الأمر غير محبوب للنبي صلي الله عليه وسلم.

وبرغم كل ما يعلمه كل مسلم مما سبق ..
فإن الحديث عن الصبر حديث ثقيل على النفس؛ ذلك أن النفس جبلت على ضده. فمعنى الصبر الحبس، ومن الذي يستطيع أو يريد أن يحبس نفسه؟ مَن مِن الناس يحب أن يعيش مقيدًا مكبلا بغير حَراك؟ لا أحد يحب ذلك.

وما نريد أن نبثه هنا: كيف أستطيع أنا العبد الضعيف العجول أن أصبر؟
ولمعرفة الجواب فإن كل إنسان لا بد أن يفتش في نفسه، وينقب فيها، ويتعلم أحوالها، ويسبر غورها؛ فإنه في دهاليز النفس ما قد يخفى على صاحبها، ويظل يعيش السنين الطوال وهو يظن عن نفسه شيئًا أو خلقًا معينًا، فإذا تعرض لموقف أو طرقه عارض وجد هذه النفس التي ألفها وعلمها وخبرها –في زعمه– قد خرجت عليه بالعجب العجاب الذي ما كان يظن في يوم من الأيام أن يصدر عنه.

إذًا فأول مفتاح لولوج جنة هذه العبادة الجليلة عبادة الصبر؛ أن تعرف نفسك التي بين جنبيك؛ - ماذا تحب وماذا تكره؟
• ما تشتهي أو ما تبغض؟
• ما همتها وما مبتغاها وغايتها؟
• إذا خلت بك بم تأمرك وعلى أي شيء تحثك؟
• هل تأمرك بالخير والحسنات، أم تأمرك بالشر والسيئات؟
• وإذا كانت تأمرك بالشر والسيئات، فهل وقفت معها لتكفها أم استرسلت بك في الغواية فوقعت بك في المحذور؟
• ثم إذا كنت وقعت في هذا المحذور أو ذاك فهل انصدع قلبك من بعده خوفًا من الله أو حتى خوفا من الناس؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة بصراحة وصدق هي الخطوة الأولى لكي يعيش الإنسان في هذه الدنيا كما ينبغي أن يكون المسلم الصادق.

ثم ليعلم المرء –بعد أن يفتح مغاليق ومجاهل هذه النفس العميقة– أنه لا شيء يخفى على الله عز وجل، بل –وهذا هو الأقرب عذابًا في الدنيا– لا شيء يخفى على الناس من أخلاق النفس.
وصَدَقَ عثمان رضي الله عنه لما مدح زهيرًا في قوله:

ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ 

فتخيل غير الصابر هذا وقد اطلع الناس على أخص وأدق ما لا يريد أن يعلمه أحد؛ كيف يعيش؟
وكيف تطيب له حياة؟

وعلى هذا فالصبر له أولى وأنجح. وهذا يقودنا لماهية الصبر. إن الصبر في ذاته علاج، والله عز وجل من كرمه ومنه ونعمته وتفضله على عباده جعله كذلك ومن يتصبر يصبره الله.. 
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127].

فالعبد لا بد أولا أن يختار طريق الصبر، ثم الله عز وجل يصبّره ويعينه ويوفقه ويسدده ويهون عليه.

ومعنى أن الصبر علاج أن يتعاطاه العبد مخلصًا موقنًا أن تفريج همه وجلاء كربته وكشف مصيبته فيه، كمن يتعاطى الدواء وهو يعلم أن شفاءه فيه، وليعلم أن الهم مفرج والكربة مفرجة والمصيبة مكشوفة ما دام قائمًا على صبره ماضيا فيه، ولا يزال العبد في خفارة الصبر حتى يكافئه الله عز وجل أتم المكافئة فيعوضه خيرًا مما فاته.

وهذه المعاني مخالفة أشد المخالفة لما عليه واقع الناس واعتقاداتهم ومعهودهم، إذ إن كثيرا من الناس حين تبهته المصيبة يضطرب ويذهل ويعلو صوته ويتسخط ويسب ويتقلب ويتلدد، ثم بعد أن يهدأ يقول: الحمد لله هذا قضاء الله!

فيذكر ويقف بعد أن يرسب في الامتحان ولا يواجه الصدمة الأولى بما ينبغي أن تواجه به كما سبق وبيناه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم هو بعد ذلك يضمر في نفسه أن يصبر وقتا محدودًا معينًا وقّته هو في نفسه وواتاه به عقله وهداه إليه شيطانه، فإذا مر هذا الوقت رجع كما كان وربما أشد. وهذا هو عين ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالصبر عند أول الصدمة، فإذا وفق العبد للثبات أمام القوة العاتية لهجمة الصدمة الأولى كان ما بعدها أهون منها بإذن الله.

ومن فضل الله عز وجل وكرمه ومنه أيضا أنه لا يزيد في بلاء العبد إلا ويزيد في صبره. وما أصدق ما جاء في الأثر: (إن الصبر ينزل على قدر البلاء) فما أظن ذلك جرب إلا صح وصدق.

وما كنت أظن –لأن الشكاك المرتاب يجب أن يعاين ويشاهد– أن يصح ذلك دومًا أو يطرد اطرادًا حتى حكى لي أحد إخواني قصته وتعذيبه هو وصاحبٌ له؛ إذ قال: إنه كان بعد أن يصل به العذاب مداه ويظن أنه لا احتمال بعد ذلك ولا صبر؛ يجد نفسه قد هدأت وأحس بمدد من الله عز وجل، وكلما فكر بعد ذلك وقال في نفسه: كيف تحملت كل هذا وصبرت عليه؟ لا يجد جوابًا إلا أن الله عز وجل صبره ولولا ذلك ما صبر.

وحكى لي كذلك أنه من تمام هذه القاعدة ومن تمام نعمة الله عز وجل عليه أنه بعد أوقات الضنك الشديد هذه كان ينصرف أحيانًا هو وصاحبه وفجأة يأخذان في الضحك، يضحكان عاليًا. وحين يسأل أحدهما الأخر ما أضحكك يقول: لا أدري.

ثم إن هناك أمرًا خطيرًا، بل هو أخطر الأمور وأروعها، وما ذلك إلا لالتصاقه بالقلب الذي هو ملك الأعضاء وحاكم البدن، أمر هو القالب الذي يدور مفتاح الصبر فيه ويؤتي ثمرته ألا وهو الإخلاص في الصبر. 
والصبر عبادة قلبية والعبادات القلبية هي أخطر أنواع العبادات وأعلاها وأفضلها؛ إذ قد يبدي الإنسان الصبر خارجيًا، ويكون بين الناس كالجبل الأشم ثباتًا وإيمانًا، ولكنه في قرارة نفسه وحشاشة أعماقه ليس صابرًا ولا محتسبًا، أو أنه يلبس لباس الصبر والحلم ويقول بلسانه: (قضاء الله ولا بد أن نرضى) ولكنه أيضا في دخيلة نفسه يشعر أن ما وقع به من سلب نعمة أو فقد حبيب ما كان ينبغي له أن يقع له هو بالذات، وإن سرى على الناس وقوعه وثبت فيهم قانون وجوده.

أقول...
لطالما تخيلت نفسي مكان هذه المرأة التي لم تصبر أمام فجأة الصدمة، وتنتابني الخواطر والنوازع، وأري من تقلب هذه النفس الموارة بالغرائب والعجائب الشيء الكثير.
وأسائل نفسي...

فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك.


ــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري (1252)، ومسلم (926).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق