الجمعة، 5 أكتوبر، 2012

المؤمن المؤثر خير من المؤمن الساكن

 " المؤمن المؤثر خير من المؤمن الساكن "


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن الله خلقنا لعبادته والقيام بحقه و رتب على ذلك الحساب و الجزاء في الآخرة كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }. وإن الله رتب السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة على تحقق وصف الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. فمن اتصف بالإيمان الصادق و العمل الصالح عاش سعيدا في الدنيا فائزا في الآخرة بالنعيم المقيم و رضوان الباري جل جلاله. و هذا الوصف يعني الإيمان والجزاء المترتب على الإيمان من النعيم و الرضوان و الرحمة والسكينة و الهداية في الدنيا والآخرة عام يشمل كل مؤمن سواء كان شريفا أو وضيعا سواء كان مقلاً من العمل الصالح أو كان مكثراً من العمل الصالح، سواء كان صغيراً أو كبيراً عالماً أو جاهلاً فكل من اتصف بالإيمان والعمل الصالح وإن قل دخل في نصوص الوعد والنعيم ، في النصوص التي تدل على السعادة و الهداية والجنة لمن اتصف بالإيمان والعمل الصالح ، لكن دلت النصوص و هنا بيت القصيد دلت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة على فضل و تقدم المؤمن المؤثر، المؤمن العامل المتفاعل على المؤمن الساكن

من هو المؤمن المؤثر المتفاعل؟ هو ذلك المؤمن السابق بالخيرات، الساعي بالإصلاح و الدعوة إلى الله ، المتعاون على البر والتقوى، الآمر والناهي ، المجتهد في الترقي في مدارج العلم والعمل ، المصحح لحاله. فذلك المؤمن أفضل و خير من المؤمن الذي يقتصر على أداء الشعائر فقط و لا يزيد على ذلك و لا يكترث بالفضائل و أعمال الخير المتعدية ولا يشارك في إصلاح المجتمع و لا يحرك ساكنا في ذلك.

سأذكر شيئا من الأدلة على بيان هذه الحقيقة أن المؤمن المؤثر المؤمن العامل أفضل و خير و أحب إلى الله من المؤمن الذي لا يتصف بذلك قال تعالى: { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} . فدلت الآيتان الكريمتان على أن من جاهد بماله ونفسه و بذل عمره في سبيل نصرة هذا الدين أفضل إلى الله تعالى من ذلك المؤمن القاعد، لكن بشرط ألا يكون معذورا أما المؤمن المعذور ، المؤمن الذي لا يستطيع الجهاد ، المؤمن الذي حالت دونه ودون الجهاد نوع من الظروف يعني المعيشية أو كذلك السياسية أو غير ذلك من الظروف أو أنه قام فيه مانع يمنعه من هذه العبادة أو غير ذلك من الأعذار فهذا المؤمن إن كان صادقا في نيته، صادقا في عزمه وفي نيته فإنه يرجى له أن يكون مثل من خرج بماله ونفسه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم : (مَن سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداءِ وإن ماتَ على فراشِه). رواه مسلم. و قال النبي صلى الله عليه و سلم في بيان هذه الحقيقة : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف و في كل خير) رواه مسلم.

فدل هذا الحديث على أن المؤمن القوي بدعائه وإخلاصه و عزيمته و عمله ، و طلبه للكسب، و قيامه بالأمر والنهي ، وطلبه للعلم وغير ذلك من مظاهر القوة المعنوية فإنه خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، من المؤمن الذي لم يتصف بذلك و في كل خير. و قد نبه بعض أهل العلم على أن ليس المقصود في هذا الحديث القوة الحسية فإن الإنسان لا يحمد شرعا و لا يمدح بقوته البدنية. وثبت أيضا في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (خيركم من تعلم القرآن و علمه). رواه البخاري. 

والأدلة والشواهد كثيرة في الكتاب والسنة تدل على أن المؤمن الفاعل العامل المتفاعل خير وأفضل من المؤمن الساكن القاعد. إن الله يحب ذلك المؤمن المتفاعل المؤثر في محيطه وبيئته التي يعيش فيها، الذي يسخر وقته وجهده لنصرة هذا الدين بحسب علمه واستطاعته في أي مجال يحسنه فهو مع القيام بالفرائض الظاهرة حريص على خدمة هذا الدين يساهم بالخير في كل باب فتح له ، يساهم في إطفاء الفتنة و إزالة الشرور على المسلمين حريص على نفع عباد الله بالكلمة والابتسامة و النصيحة والمال و الموعظة والعلم والإرشاد. ذلك المؤمن قلبه حي ذو غيرة على المحارم ، يحترق و يقلق لما يراه من أحوال المسلمين مع ربهم و دينهم يعني من تقصيرهم ، ويألم و يحزن لما يحل بهم من النكبات والمصائب. هذا المؤمن لا يجد باب خير إلا ولجه و لا باب شر إلا حذر منه ، كثير الدعاء بالغيب للمؤمنين أحياءً و أمواتا، يعني خيره يصل إلى الأحياء و كذلك إلى الأموات { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. حريص على إيصال الخير لهم بأي وجه وعند أي مناسبة وفي الحديث: (أحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده). و الحديث يطول في أوصاف ذلك المؤمن، المؤمن الحق كامل الإيمان الذي تحلى بالفضائل و سابق بالخيرات. أما المؤمن القاعد الساكن الذي لا يزيد في عمله على الفرائض و لا يكترث بما حوله ولا يشارك في إصلاح بيئته وأهله وحيه وعمله و بلده ولا يهتم بنصرة هذا الدين و لا خدمة أولياءه فهو عطل لا يطلب علما و لا يشتغل بدعوة ولا نسك ولا دعاء و لا يغار على محارم الله ولا يشارك في الإصلاح قد شغلته دنياه و غفلته عن حمل هذا الدين والتشرف بالذب عنه فهذا المؤمن و إن كان على خير إلا أنه فاتته الدرجات العلا و المنازل العليا بالجنة ومن كانت هذه حاله كان أقرب إلى الغفلة و المعصية و ضعف الإيمان من غيره.

إخواني في الله إن المؤمن إذا قدم على ربه و نظر كما جاء في الحديث الصحيح فينظر أيمن منه و ينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، حينما ينظر في صحائف أعماله في ذلك الموقف سيحمد نفسه المؤمن المتفاعل المؤثر لما يرى من الخيرات العظيمة و الأجور العميمة الكاملة ، فهذه كلمة ألقاها في مسجد ، و هذه نصيحة ألقاها على أخيه ، و هذه شفاعة أداها إلى أحد المسلمين ، و هذا إصلاح قام به في إصلاح أسرة أو امرأة ضلت عن الطريق ، و هذه كلمة حق قال بها في أمر أو نهي، وهذا درس علم ألقاه عند الطلاب في أحد المجالس ، و هذا درهم تصدق به، و هذا وهذا من الخيرات، وهذه كلمة طيبة قالها إلى أحد المنكوبين المأسوفين بحزن أو مصيبة ، وهذا تبسم في وجه إنسان ، وهذه كذلك كلمة دعوة قالها لأحد الكفار إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة والعبادات المتعدية.

إننا اليوم قد لا نشعر بهذا لا يشعر المؤمن في الدنيا إخواني في الله بالأعمال الصالحة التي يقدمها غالبا ، و إن كان الله عز و جل قد يعجل له الطيبة في الدنيا من الذكر الحسن والقبول الحسن بين إخوانه المؤمنين و قد ينفس له الكرب كما ورد ذلك في بعض الآثار ، و لكنه لا يتحقق من عمله الصالح إلا إذا قدم على رب كريم ورأى في صحائف أعماله. أما المؤمن المقصر الساكن القاعد الذي قد ترك فضائل الأعمال و ترك المشاركة في الإصلاح وترك نصرة هذا الدين فإن هذا المؤمن، وإن كان على خير، فإنه سيحزن أشد الحزن و سيأسف أشد الأسف حينما ينظر في صحائف أعماله فلا يجد إلا عملا يسيرا ، و ربما وجد أعمالا من السيئات و لذلك جاءت الآثار والأخبار بهذا: أنه ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكر اسم الله فيه و في رواية لا يصلون على النبي إلا وكان عليهم ذلك المجلس حسرة وندامة يوم القيامة.

إخواني في الله تأملوا حياة النبي صلى الله عليه و سلم ، كيف كان النبي صلى الله عليه و سلم ؟
لقد كان النبي صلى الله عليه و سلم المثال الحق والأنموذج الرائع للمؤمن المتفاعل العامل لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعيش لإسعاد المؤمنين يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الخاصة لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعرف يومه وليلته في شيء من العطلة غالبا إلا إذا كان فيه مصلحة راجحة من إدخال السرور على الأهل أو الاستمتاع المباح ، وإلا فقد كان سائر وقته صلى الله عليه وسلم ما بين علم وإرشاد وتعليم و بذل صدقة ونصيحة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وسعي في قضاء حاجة و إصلاح بين متخاصمين. أذكر لكم موقفا عظيما ثبت في الصحيح : (خرج النبي صلى الله علي و سلم يصلح بين حيين من الأنصار، انظروا لما خرج قبل أن تحين الصلاة فذهب إلى ذلك الحي يصلح بينهم ، و حانت الصلاة فجاء بلال و استشار أبا بكر هل يقيم الصلاة أم لا، فأشار أبو بكر عليه أن يقيم الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحمد أبو بكر مقامه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم و لكنه لم يستطع أن يتم الصلاة من باب الأدب مع رسول الله فتراجع أبو بكر فأتم النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة). انظروا إلى حال النبي صلى الله عليه و سلم، لم يقل صلى الله عليه وسلم تخاصموا و ربما بعد يوم أو يومين يقع الصلح بينهم بل سابق النبي صلى الله عليه وسلم ، بادر النبي صلى الله عليه وسلم وسابق في إصلاح القوم وفي إصلاح الناس مما يدل على فضل هذا العمل ، والشواهد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في هذا الباب. فأسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم العمل الدؤوب في نصرة هذا الدين وإن أعظم شعبة في الدين بعد الإيمان هو طلب العلم ، التفكر في معاني الكتاب ومعاني السنة والعكوف عند العلماء والدعوة إلى الله عز و جل ونصرة هذا الدين بكل أنواع النصرة المشروعة.

إخواني في الله إن المؤمن الذي يعمل لهذا الدين وينصر هذا الدين و يتفاعل كل بحسب استطاعته والخطاب في هذا عام للرجل والمرأة وليس خاصا للرجل، بل حتى المرأة أيضا يشملها سائر النصوص والأدلة وسائر الفضائل في باب الدعوة إلى الله إلا الأعمال التي خاصة بالرجال. إن المؤمن الذي يدخل في هذا السباق و المجال والله إخواني في الله ليجد سعادة عظيمة و يجد اِشراقة في القلب وسكينة في الروح والنفس و يجد انشراحا في الصدر و يجد فرحا برحمة الله عز وجل لا يجده في الدنيا ولا في المناصب ولا في الشهرة لماذا ؟ لأنه إذا تأمل في معنى لطيف علم أن الله عز و جل قد وفقه فالله سبحانه و تعالى اختاره لهذا العمل الجليل، اختاره لنصرته هذا الدين واصطفاه من بين سائر المؤمنين، بينما الناس ساهرون غافلون في سبيل الشهوات وفي جمع الملذات وحطام الأموال، وهو ساهر في طاعة ربه و في دعوة الخلق والعلم النافع والعمل الصالح.

فأسال الله عز وجل أن يرزقني و إياكم العلم النافع و العمل الصالح و أن يفتح علينا في هذا الباب و أن يجعلنا مفاتيح خير، وأن يجعل لنا أثرا عظيما في الأمة كل بحسب علمه وحسب استطاعته. ومن سلك طريق العلا و ترقى في مدارج الأعمال العظيمة فإن الله سيفتح عليه، إن شاء الله تعالى، وأسال الله تعالى أن يفتح علينا و صلى الله و سلم على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق